|
الحبيب الجفري في حوار فكري شامل:(2)
منذ زمن ونحن نتكلم عن الوسطية لكن لم تقترب
مكبرات الصوت من أفواهنا إلا بعد أحداث سبتمبر
03/06/2008
في الجزء
الثاني من الحوار، يتحدث الحبيب الجفري عن رؤيته للعمل
السياسي وعلاقته بالدين من
وجهة نظره وعن تقسيم الأولويات وعن الوسطية كحاجة، وعن
اللبرالية، ويتحدث أيضاً عن
العلماء وتعاملهم مع المدخلات الجديدة.. إلى الحوار:
أجرى الحوار: رضية المتوكل
-
عبد الرشيد الفقيه
هل
تعتبرون الليبرالية نداً أو خصماً للخطاب
الديني؟
{
أنا لا
أقتنع بذلك ولا أرى الأمر أن الخطاب الليبرالي ذاته
مضاد أو خصم للخطاب الإسلامي،
لكن سلوكيات بعض الإسلاميين وبعض الليبراليين هي التي
صورت هذه الصورة أمام الناس
في العالم. على سبيل المثال الذي سمح للمسلمين ببناء
مساجد في أوروبا لم يكن رجال
الدين المسيحي قط، فحين كانت الكنيسة هي التي تتولى
الزمام في أوروبا حصلت مذابح
للمسلمين، وما جرى في الأندلس خير شاهد على ذلك، لكن
الذي فسح الفرصة للمسلمين أن
يبنوا مساجدهم ويمارسوا دعوتهم وعباداتهم هي
الليبرالية، ليست الليبرالية دائماً
خصماً للإسلام.
>
ما دلالة مصطلح الليبرالية عندك؟
{
هي رؤية فكرية ثقافية قامت
وبرزت كطور من أطوار التفكير الإنساني البشري والتجربة
البشرية، وإن الجزء الذي قد
يظهرها في عصرنا مناوئة للدين هو أن طوراً من أطوارها
مرّ بصراع مع بعض أصحاب
السلطة الدينية في أوروبا مما ركز وكرس في النفسية
الليبرالية الشعور بأن السلطة
الدينية عائق يعوق عن التقدم. هذه المسألة لو فهمناها
وتأملناها بشكل جيد لصار
خطابنا مع رموز الليبرالية أو من يمارس عمله من منطلقات
الليبرالية أكثر قدرة على
إقناعه بما نتكلم به، أو على الأقل التفاهم معه.
وهناك أيضاً مشكلة ترسخت في
نفوس كثير من الذين يتحدثون بالخطاب الإسلامي من أن
الليبرالية معناها معاداة
الدين، وغالب من يقول هذا الكلام لم يقرأ عن الليبرالية
وإنما سمع عنها في خطبة أو
وسيلة إعلام وتكلم من هذا المنطلق. وأنا لا أبرّئ
الليبرالية ولا أرى أنها الصواب
الذي ينبغي أن نبحث عنه، لكن أيضاً لا أرى أنها الشيطان
الذي ينبغي أن نستعيذ بالله
تعالى منه، بل ينبغي أن نتأملها كنتاج للفكر والتجربة
الإنسانية حملت بعض الشوائب
أو احتوت على بعض النقائص والأخطاء وتحتاج إلى حوار
للوصول إلى المفيد منها وستبقى
بعد ذلك رافداً من روافد الفكر الإنساني وستبقى شيئاً
موجوداً في واقعنا لا نستطيع
أن نلغيه لأنه لم يعجبنا.
برز منذ 11 سبتمبر مصطلح "تجديد الخطاب الديني" بقوة،
فهل جاء ذلك بناء على حاجة ذاتية للخطاب الديني أم أنه
مجرد استجابة لضغوط
خارجية؟
{
الإعلاميون أبرزوه للناس بعد أحداث 11 سبتمبر، أما
تجديد الخطاب الإسلامي فهو أمر قائم التبشير به منذ عهد
رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم القائل: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل
مائة سنة من يجدد لها
دينها" [رواه أبو داود والطبراني والحاكم وغيرهم..]. ثم
بعد ذلك ظهرت سلوكياً في
مدارس متعددة حتى أن عمر بن عبد العزيز جدد للأمة
المنحى في آلية الحكم، والإمام
الشافعي جدد للأمة مناهج الاستنباط والأصول في القرن
الثاني والثالث والرابع
والخامس، ثم نظر البعض فرأى أن التجديد لا يتعلق بشخص
بعينه وقد يكون نتاجاً لعمل
عدة أشخاص ومدارس متنوعة. فمفاهيم التجديد موجودة من
السابق ومنذ نشأتي وأنا أسمع
عنه، لكن رُكز عليه إعلامياً بعد أحداث 11 سبتمبر وأنا
أوافق على ذلك، أما في
المدرسة الأصيلة هو موجود.
إذا
فهو نابع من حاجة داخلية وليس فقط إرضاء
للغرب؟
{
هو في
الأصل نابع من حاجة داخلية لكن التركيز عليه ربما لا
يكون بريئاً من محاولة إرضاء
الغرب، وعلى كل حال، مادام الأمر صواباً ونحن في حاجة
إليه فلماذا نتضايق؟ كان
البعض يقولون لماذا تذكرون الوسطية بكثرة الآن؟ بعد 11
سبتمبر تذكرتم أن دينكم دين
الوسطية؟ ونقول لا، منذ زمن ونحن نتكلم عن الوسطية وقبل
الأحداث، لكن لم تقترب
أدوات تكبير الصوت إلى أفواهنا إلا بعد أن حصلت
المشاكل. وسائل الإعلام ومن يوجه
وسائل الإعلام شعر بالخوف والإشكالية بعد الأحداث فقرب
مكبرات الصوت إلى من يتكلم
عن الوسطية ولما رأى البعض أن الوسطية أصبحت محل نظر
واهتمام ركب الموجة وصار يتكلم
عن الوسطية.
لكن هل لأن البعض الآن مركز على الوسطية من خلال
منطلقات ودوافع
خارجية يجعلنا ننكر أننا بحاجة إلى الوسطية؟ هل نستطيع
أن ننكر أن التطرف طاغٍ
اليوم على خطابنا الإسلامي؟ هل نستطيع أن ننكر أن
الوسطية موجودة في ديننا؟ هل
الوسطية موجودة في ديننا أم لا؟ هي موجودة في ديننا،
يقول الله تعالى: "وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء
عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.." هل عندنا مشكلة
التطرف؟ هل هو موجود؟ نعم عندنا
ونرى المذابح باسم الدين اليوم بين المسلمين أنفسهم
فضلاً عن قتلهم للمؤمن وللمعاهد
على نحو لا يجوز، إذاً عندنا تطرف في الخطاب الإسلامي.
الوسطية من ديننا والتطرف
طاغٍ وصوته عالٍ بين أوساطنا، ألا تكفي هاتان المقدمتان
لتكون النتيجة ضرورة
الاعتناء بالوسطية؟ بلى، كذلك فيما يتعلق بسؤالك..
طالما توافقت الحاجة الداخلية مع
التوجه الدولي فما المشكلة؟
{
ما الإشكال؟ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر
حلفاً في الجاهلية كان قد شارك فيه هو حلف الفضول وقال:
’لو دعيت لمثله في الإسلام
لأجبت‘. والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها، لا
يعيب فكرة حفر الخنادق أنها
جاءت من الفرس عبدة النار في ذلك الوقت، سيدنا سلمان
الفارسي قال للنبي صلى الله
وآله وسلم في معركة الخندق أن قومي – أي الفرس الذين
كانوا عبدة النار في ذلك الوقت
-
كانوا إذا جاءهم عدواً لا يطيقون لقاءه يحفرون الخنادق
فأخذ النبي بالفكرة رغم
أنها جاءت من عبدة النار، وعليه قس.
عندما أعلنا في وقت سابق عن حوار مفتوح معكم في منتدى
حوار كانت أغلب الأسئلة التي طرحت من قبل الأعضاء
سياسية، ألا يعتبر ذلك مؤشراً بأن
دور العالم مرتبط في أذهان الناس بالمجال السياسي؟
{
مررت بتجربتين في مسألة تلقي الأسئلة:
الأولى كانت مع الصحوة نت، ثم مع منتدى حوار، والقاسم
المشترك الذي لاحظته هو
الأسئلة التي ذكرتها، فهي تحمل ثلاث إشكاليات، الأولى:
صيغة التهمة وكأن الذي يسأل
ينبغي عليه أن يكون متهماً حتى تثبت براءته وهذه عكس
الأصل؛ الثانية: أنها أخذت
طابع الصراع الداخلي الموجود في بلادنا حتى بدت وكأن
المسألة معركة وليس حواراً
فكرياً؛ والثالثة: كانت مجساً لشيء استفدته وهو مهم
يتعلق بحاجة المهتمين بالمواقع
التي لها علاقة بالإسلام والتي لها علاقة بالحوار أو
التي تتخاطب مع من ينتسب للعلم
والدين، حاجتهم إلى أن يرتقوا أكثر في قراءتهم للأحداث
والتصرفات على نحو يحمل صفة
التثبت وصفة البحث عن المفيد، وهذا ليس متعلقاً فقط
بقراء منتدى حوار أو الصحوة نت،
ولكن هذا الإشكال وجدته في غالب المنتديات الإسلامية،
فلو أن باحثاً أو مستقرئاً
قام بعمل إحصائية حول الطابع الغالب على المنتديات
الإسلامية اليوم، لوجد أنه
الصراع والصراع المرير، لا أقول الاختلاف فالاختلاف شيء
جيد إذا قام على أصول، لكنه
الصراع والإقصاء والتصادم، وفيه إشغال للناس في دوامة
لا تنتهي، مما يقودهم إلى
غيبوبة عن واقع حاجة الأمة إلى خطاب إسلامي ناضج. ولا
أخفيكم أنه مع أسفي في التأخر
عن الإجابة بسبب انشغالات حقيقية كنت أمر بها في
المرحلة الماضية إلا أنني أيضاً لم
أجد دافعاً قوياً للإجابة على الأسئلة في نفسي. فعندما
أستعرض ما أجدني مشغولاً به
وما أجد العلماء والمشايخ مشغولين به من قضايا حقيقية،
ثم أجد أن عليّ أن أجلس سبع
أو ثمان ساعات لأعد أجوبة على ثلاثين أو أربعين سؤالاً
تدور في فلك ضيق أشعر أن
دافع الاستجابة ضعيف.
لكن
ألا نستطيع أن نعتبر ذلك هو نبض الناس الناتج عن
معاناة حقيقية؟ وهل يصح أن يغيب العلماء بمختلف
توجهاتهم عن هذه
المعاناة؟
{
أوافق
على ما تقول، لكن لا يعني عدم الغياب عن هذه المعاناة
الانحباس عليها والدخول في
فلكها ودوامتها، هذا نبض وهو مجس وأنا فرحت بوجود هذا
المجس وهذا الاستشعار للنبض،
لكن أعتقد أن العلاج لا ينبغي أن يكون في الاسترسال خلف
هذا النوع من الأسئلة،
وإنما يكون العلاج في النظر الجاد للأسباب التي أوصلت
الناس إلى حيثية أنه إذا تدين
الرجل أصبح قبيحاً. قبل تدينه كان مرحاً وطيباً ويحسن
التعامل مع الناس، وبمجرد أن
يتدين يتحول إلى إنسان قبيح يسب ويلعن ويأخذ بالظن
ويتهم ويسيء الظن. هنا مشكلة
فواجب من يلاحظ أمثال هذه الأسئلة أن لا يقتصر على
الإجابة، بل ينبغي أن يربط نظره
إلى الدوافع والأسباب والإشكالات أو الظروف التي
أوصلتنا إلى هذا الحال بالنظر في
علاجها. وأحياناً قد يكون جزء من العلاج عدم مباشرة
التفصيلات هذه والنظر إلى ما
وراءها. هناك مشكلة عند من يتولى الخطاب اليوم، وعند
أغلب من يتحدثون باسم الإسلام،
وأكثرهم لا أشك في إخلاصهم أو في صدقهم أو في محبتهم
للخير، لكن أظن أننا بحاجة إلى
التسامي في تعاملنا مع بعضنا البعض؛ يعني بدلاً من أن
أنشغل بالشباب الذين تأثروا
بخطاب الشيخ فلان الذي تهجم على فلان، لماذا لا أقصد
ذاك الشيخ الذي خاطب هؤلاء
الشباب وأبتدئ بشيء من طول النفس بخطوات في محاولة
إيضاح الصورة له أكثر ليعرفني
أكثر وأعرفه أكثر، فأقدّر ما يتصرف وينطلق من خلاله،
ويحاول أن يتفهم المنطلقات
التي أنطلق من خلالها.
نحن على مستوى اليمن مررنا بمراحل صعبة للغاية في
الخمسين
السنة الماضية، والشعب اليمني هو من أكثر الشعوب
الإسلامية حيوية - وهذا ليس تعصباً
لليمن - فهو لا يزال شعباً حياً متفاعلاً مع ما حوله،
لكن الإنسان اليمني يعيش
اليوم حالة الإنسان المهدوم في داخله، ولولا الحيوية
الموجودة في الشعب اليمني وفي
أبناء اليمن والبركة التي أوجدها الله فيهم لما بقيت
فيهم حياة من شدة ما يتعرضون
له.
عندنا طاقات رائعة وراقية وعظيمة، وعندنا استعدادات
أيضاً، لكن هذه الطاقات
والاستعدادات تحتاج إلى تغذية في بناء شخصية الإنسان
اليمني المقبل، عندنا ولاء
راقٍ للدين في نفوس أبنائنا، لكن توجد اليوم عوامل تدفن
هذا الولاء، وأحيانا يكون
بعض أهل الدين هم من يدفنونه وهم لا يشعرون. عندنا في
نفسية الإنسان اليمني اليوم
تطلّع وتشوف راق وجذاب إلى أن يسهم بدوره في الحياة
والحضارة الإنسانية، لكنه يشعر
أنه في قارب بدون مجاديف أو مقيد ولا يستطيع التجديف.
الإنسان اليمني اليوم عنده
استعداد لأن يتقبل الجميع ويتعامل معهم لكن كثرة الضرب
على ظهره اليوم تجعل مساحة
تقبله للتفاهم مع غيره تضيق. الإنسان اليمني له تجربة
تاريخية في تغيير خارطة الأرض
من الناحية السكانية بغير إراقة دماء في جنوب شرق آسيا
وفي شرق أفريقيا، فهو مصدّر
ومتبني وصاحب رؤية راقية في الخطاب الإسلامي. ما نعاني
منه اليوم هو أن هناك ضرب
لهذه الرؤية من داخل اليمن بسبب بعض المدخلات الجديدة
التي طرأت على الخطاب
الإسلامي في اليمن جاءت من خارجه، وتبناها بعض أبناء
اليمن، فإذا بهم أنفسهم يئدون
هذه الثروة الموجودة من حيث لا يشعرون بأيدي بعض
المتشددين في الخطاب. خلاصة هذا
الأمر أن الشعب اليمني ممكن أن يكون من أفضل الشعوب في
الأرض إثراءً للإنسانية فيما
لو أعيد الاهتمام به مرة أخرى على نحو صحيح.
لاحظنا مؤخراً كيف تعامل الناس مع فتوى تحريم عيد
الحب باستخفاف مبررين ذلك بأن من يفتي هو في الأصل بعيد
عن معاناتهم الحقيقية وعن
قضايا الفساد والحقوق والحريات، ألا يخلق بعد العلماء
عن هذه القضايا فجوة بينهم
وبين عامة الناس؟
{
في المقابل أيضاً يوجد شكوى عند كثير من الناس فيما
سمعت به في اليمن من انشغال كثير من المنابر بالقضايا
السياسية اليومية، حتى تحولت
بعض المنابر كأنها برلمانات أو مجالس نواب. لا ينبغي
للعالم أو الداعية أن يغيب عن
واقعه، لكن أيضاً لا ينبغي أن يقع في واقعه. ينبغي أن
تكون هناك أدوار يحترم التنوع
فيها، مواقف وأدوار تحتاج إلى علماء يخاطبون القلوب،
يخاطبون الأرواح، يزكون
الأنفس، يحيون روح الإيمان في القلوب، فلا نطالب هؤلاء
أن يتكلموا عن غلاء الأسعار
ولا عن مشكلة البطالة ولا عن الفساد، هذا مجالهم ونحتاج
إلى شريحة أخرى من العلماء
تعتني بالأمور التعليمية والفقهية كالطهارة والصلاة؛
ونسمع اليوم بعض من يتهكم
ويقول هؤلاء العلماء مشغولون بالحيض والنفاس وأمثال هذه
الأمور، وهذا كلام خاطئ أنا
لا اتفق معه، نحن بحاجة إلى علماء ينشغلون بذلك، لأن
الكثيرين لا يزالون يجهلون هذه
الأحكام وهي أحكام المسلم بحاجة إليها في يومه وليلته.
نحن بحاجة إلى علماء
يتخاطبون مع الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بوعي
وفهم لا مجرد تكرار ما
تتناقله نشرات الأخبار والجرائد، كمن يقرأ كلاماً في
جريدة ثم يصعد على المنبر
ليتكلم دون تبصر أو احترام للاختصاص. أنا سأجد نفسي لا
أحترم العمامة التي ألبسها
إذا صعدت على المنبر وتكلمت عن مسألة اقتصادية دون أن
أجلس إلى اقتصادي وأسأله حول
حقيقة الأمر. بعضهم اليوم للأسف يطلب من العالم أن يكون
(سوبر مان)، فلا بد أن
يتكلم في كل شيء وإلا فهو ليس بعالم. وفي المقابل البعض
تجاوب مع ما يطلبه الناس
فتراه يصعد المنبر، فإذا كان المطلوب أن يكون فقيهاً
كان فقيهاً، أو أن يكون
جيولوجياً يكون كذلك، أو تاجراً أو سياسياً يكون كذلك،
كما يقولون (من حيث ما ضربته
يطن).
لم يكن الأمر هكذا، فلهذا نحن بحاجة إلى هذا وذاك، أنا
أعرف أن في اليمن
عدداً من العلماء يمسون القضايا الحساسة، يتكلمون عن
هموم المواطن وبكثرة، والجرائد
مليئة بتصريحاتهم ووسائل الإعلام تنقل بعضها والمنابر
تضج بهم، وأيضاً هناك من
العلماء من يتكلم عن أشياء أخرى.
قد اتفق معك في أن مشكلة الكلام عن بعض
المدخلات الجديدة مثل عيد الحب وغيره اتسمت أحياناً –
ليس عند كل العلماء وأنا أجل
العلماء ونعال العلماء على رأسي، وأنا لا أعتبر نفسي
عالماً بل طويلب علم في
حضرتهم- لكن توجد نبرات تتكلم عن مثل هذه المدخلات
بسطحية تدل على أن المتكلم لا
يعيش نفسية الشباب الذين يتعاملون مع هذه المدخلات
الجديدة. أعجبتني عبارة جيدة
لبعضهم تكلم في مسألة عيد الحب قال ينبغي أن نعيش الحب
كل يوم كمسلمين ولا ينبغي أن
نستسلم لتقبل فكرة الفالنتاين. ومن الممكن أن نسمع
شخصاً آخر يقول نعم نجعل من فكرة
عيد الحب إحياء لمفهوم الحب ولكن لا نكون تبعاً للآخرين
في جعلها محصورة على اللون
الأحمر أو نتدنى بالحب إلى حضيض الشهوات الجسدية، بمعنى
أن يكون هناك نوع من
المعالجة لمثل هذه الأمور تتناسب مع طريقة تفكير
أبنائنا اليوم. أنا سمعت بعض
العلماء يحرض على عدم الفرح والاحتفال بعيد الأم..
لماذا؟ كثير من المسلمين اليوم
عندهم تقصير في التعامل مع أمهاتهم، والله تعالى أمرنا
ببر الوالدين، فإذا جاء شيء
ولو من الخارج مادام جيداً فلماذا لا نتعامل معه؟
فبالإضافة إلى أنه لا ينبغي أن
نركز فقط على هذه القضايا ينبغي أن نتناولها لكن بطريقة
تتناسب مع عقلية ونفسية من
نريد أن تصل إليهم الرسالة. أما أن نُشعر شبابنا من حيث
نقصد أو لا نقصد أن الدين
عبارة عن عسكري يمسك عصا عليهم أو سيف، وممنوع أن
يتقبلوا أي شيء أو أن يفهموا
شيئاً، فتبدأ تتشكل نفسية في جيل الشباب وهم غير قليلين
اليوم ينظرون إلى الدين
نظرة تشبه نظرة أصحاب الثورات العلمانية التنويرية في
أوروبا إلى الكنيسة، وهذا
خطير. عندما يسمع شاب أن عالماً يفتي بأن الأرض لا تدور
يذكر الناس بمأساة جاليلو،
فلا نريد أن يتحول جيل الشباب المثقف أو خريجو الجامعات
المعاصرة إلى شباب ينظر إلى
الدين بتلك النظرة. كل ذلك من الإشكالات التي تحتاج إلى
معالجات واسعة، وربما يكون
لشبابنا المتصل بالإعلام من أمثالكم دورً مهم في هذا
الأمر.
إذاً
أنت تؤمن بالتنوع في الأدوار
لكن ألا يوجد أولويات؟
{
ينبغي أن نراعي الأولويات وأنا موافق على ذلك، لكن
الأولويات هي أيضاً نسبية، أولوية من لا يجد الخبز أن
يأكل الخبز، والأولوية عند من
لا يجد الكتاب أن يجد الكتاب، والأولوية عند من يشعر
بالخواء الروحي أن يبحث عن
روح، والأولوية عند من هو واقع تحت الظلم أن يُرفع عنه
الظلم، فالأولوية ليست كلمة
مطلقة بل نسبية. الأمر الثاني ينبغي أن نراعي ما يتقنه
المتكلم، فقد يكون أحد
الدعاة لا يتقن الكلام فيما ترونه أولوية، فهل يطالب
بأن يتكلم في ما لا يدري أو
يسكت؟
هل
مطلوب منه أن يحاول أن يدري؟
{
مطلوب منه أن يحاول أن يدري، لكن ماذا لو كانت هذه
الأولوية غير داخلة في اختصاصه؟ من سمات العصر الذي
نعيشه أنه عصر التخصص. فلو أن
إنساناً لا يتقن إلا تدريس الأحكام الفقهية، فهل نقول
له تكلم في مشاكل الشباب
اليوم؟ ففي هذا ظلم له وللشباب.. فلربما سيقتحم هذا
الأمر ويتكلم بطريقة عوجاء تنفر
الشباب، أو سيشعر أن عنده عجزاً، فيلزم بيته ويحرم
الناس من الانتفاع
بفقهه.
إذاً
هل تقسم الأولويات بناء على القدرات الذاتية أو على
الضرورات؟
{
نحتاج إلى مراعاة الناحيتين في
الأولويات: أولويات تتعلق بكفاءة من يتكلم واختصاصاته
وأولويات تتعلق بمتطلبات
الواقع الذي نعيشه، ولا أجد اليوم أي اختصاص صحيح متقن
من اختصاصات الخطاب الإسلامي
غير محتاجين إليه كأولوية. وإليكم هذه المفاجأة.. قبل
حوالي عشر سنوات أو أكثر
خرجنا إلى وادي من وديان اليمن- اليمن وليس واق الواق-
ووجدنا أن أكثر من 80% من
سكان هذا الوادي لا يحسنون قراءة سورة الفاتحة، فهل
تحفيظ الناس سورة الفاتحة
وتعليمهم الوضوء يصبح أولوية هنا أو لا؟
هل
غياب الدولة هو ما أدى إلى هذا المستوى من
الجهل؟
{
لست من
النوع الذي يحب أن يبحث دائماً عمن يحمله المسؤولية،
دعونا ننتقل من مرحلة البحث عن
المتهم حتى نلبسه القضية فيما مضى إلى مرحلة البحث عن
الحل فيما يأتي في المستقبل.
هذا ليس جواباً دبلوماسياً كما يقول بعض الإعلاميين عن
أجوبتي لكن هذا جواب
عملي.
تريد أن أقول مثلاً بالنسبة لمناطق جنوب اليمن الحكم
الشمولي نعم كان له
أثر سيء، وبالنسبة للشمال الصراعات المتوالية للحكومات
نعم هذا كان له أثر سيء، لكن
هل هذا هو كل القضية؟ هل القضية أن نبحث عن المتهم
ونلزمه بأنه متهم وتكون قد
حلت؟
ألا
يساعدنا تشخيص المشكلة على اختيار المعالجة؟
{
أنا موافق على هذا الأمر لكن التشخيص ينبغي أن
يبدأ من منطلق من أين جاءت المشكلة وليس ممن جاءت.
الدولة عليها واجب ينبغي أن
تؤديه، والإعلام عليه واجب ينبغي أن يؤديه - ولا تقولوا
أن الإعلام هو الدولة لأننا
دخلنا مرحلة الآن لم تعد وسائل الإعلام محصورة على
الدولة ولا مقتصرة عليها، وهناك
أبحاث في هذا الموضوع طويلة أنتم أعلم بها مني -
العلماء عليهم مسؤولية، ورجال
الأعمال وأصحاب المال عليهم مسؤولية، والأكاديميون
والمعلمون عليهم
مسؤولية.
دعونا نبدأ نطرح السؤال من الناحية الأخرى وبدل أن نقول
من هو المسؤول
عن هذه المشكلة نبدأ نسن سنة جديدة.. ما هي مسؤوليتي
تجاه هذه المشكلة؟ الصحفية
تسأل نفسها ما هي مسؤوليتي تجاه حل هذا الإشكال،
والداعية يقول ما هي مسؤوليتي
تجاهه، والحاكم يقول ما هي مسؤوليتي تجاهه، بدلاً من أن
يجلس كلٌ منا وهو متكئ
مرتاح ويقول هؤلاء هم المشكلة وهم السبب وهم الخطأ،
ويشعر أنه أدى الدور لأنه صريح
وعرض نفسه للمسألة وللتحقيق لأنه تكلم بكلمة جريئة
وخلاص جاهد وانتهت
المسألة..!
في الحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"أفضل الجهاد
كلمة حق عند سلطان جائر" [رواه أبو داود والترمذي]، قال
كلمة حق عند وليس على،
وهناك فرق كبير بين من يستعرض عضلاته على المنبر- مسجد
أو إعلام أو غيره - ليرائي
الشعب بشجاعة يبرزها في التهجم على الحاكم، وبين من
يجلس إلى جانب الحاكم بأدب
واحترام ويخاطبه كما قال تعالى: "وَقُل لَّهُمْ فِي
أَنفُسِهِمْ قَوْلاً
بَلِيغًا".
أليس
بحسب الأنجع، فإذا كان هذا الخطاب الودي مع الحاكم
لم يؤثر وكان أكثر تأثيراً مع الشعب؟
{
لكن نحن جربنا الشعب سنوات كثيرة، واستغلت هذا
الأحزاب المتعلقة بمعارضة الحاكم وبعضها وصل مدة للحكم
فما أصلحت شيئاً، بل كررت
مشكلة الحاكم نفسها، ولم تجلب لنا شيئاً. فبدلاً من أن
نحول عواطف الشعب الغاضبة أو
المتبرمة من الأخطاء الموجودة إلى مطية يصل بها آخرون
يكونون هم جلادينا الجدد،
ينبغي أن ننظر بنظرة أخرى، تعالوا نتكلم عن دورنا نحن.
دخل أحد الوعاظ على
المأمون ووعظه بطريقة جريئة فيها تهجم- ولعله صادق في
إرادة التقرب إلى الله لكنه
نقص في الوعي- فتبسم المأمون وقال على رسلك فقد أرسل
الله من هو خير منك إلى من هو
شر مني،،أرسل هارون وموسى إلى فرعون وأمرهما بقوله:
"فَقُولا لَهُ قَوْلاً
لَّيِّناً".
هذا منهج النبوة، فبدلاً من أن نضيع الوقت في تجارب
بعيدة عن المنهج
النبوي تعالوا نعود مرة أخرى إلى المنهج النبوي. كيف
كان النبي صلى الله عليه وآله
وسلم يصدع بكلمة الحق أمام الظلمة؟ هل كان بالسب واللعن
والشتم والتحريض
والاستثارة؟ أو كان بالتي هي أحسن، أو بالموعظة الحسنة
أو كما قال الله "وَقُل
لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا"؟ هل كان
يجرح بأسماء ويصرح بالتهجم
عليها أو كان يقول ما بال أقوام؟ أيهما كان الغالب على
خطابه؟
أيضاً ينبغي أن
نفهم أن أي حاكم في أي أرض أفرزه الشعب الموجود في تلك
الأرض، فهو لم ينزل بمظلة من
السماء، بل هو إفراز للواقع الذي نعيشه، على أن العديد
من حكامنا وأقولها بكل
طمأنينة وبدون قلق لديهم قابلية كبيرة للخير. إن كثرة
المصاعب والهموم التي تعيشها
الشعوب اليوم، جعلت النخب الصادقة من بينها، وقد كثر
تململها من تملق النخب
المداهنة، لا تستطيع استجلاء أوجه الخيرية الموجودة عند
حكامها، الذين لا يوجد
عندهم شر مطلق، بل شر مختلط بخير. فإلى أي مدى اجتهدنا
على الخير الموجود في نفسية
الحاكم لينمو ويتسع؟ كم من الجهود بذلنا في هذا السبيل؟
لقد مكث سيدنا موسى وسيدنا
هارون عليهما السلام أربعين سنة يحاولان مع فرعون قبل
أن يهلكه الله. فأي محاولات
جادة بذلناها فيها شيء من إنصاف الحاكم؟
الحاكم وقع بين مشكلتين: مشكلة المداهن
الذي يصفق له على كل شيء ويرائيه ويشعره أنه دائماً على
صواب، ومشكلة المعارض
الناقم دائم التهجم الذي لا يثني على أي خير ولو كان
موجوداً في الحاكم؛ بل إنه
يتهم كل من يثني على أي خير موجود في الحاكم بأنه
منافق. ردود الأفعال أو
الانفعالات هذه ينبغي أن لا تأسرنا، فالحديث عن
إشكالاتنا اليوم أو في تناول
حلها.
ما
رأيك في الانتخابات كآلية لتغيير الحاكم؟ دون أن نحتاج
إلى خمسين سنة لإصلاحه أو
يحتاج هو خمسين سنة لإصلاحنا؟
{
اسألوا الذين
خاضوها.. هل نجحوا؟
هل
هناك تصور لآلية أخرى لإدارة الشؤون
العامة؟
{
لست ضد الانتخابات ولست مؤمناً بأنها
الوسيلة الوحيدة أو الكافية للتغيير.
فيما
يتعلق بنظام الحكم؟
{
حتى نظام الحكم، في الدول المتقدمة التي
تدندن لنا بالانتخابات ولسنوات طويلة وتتغنى
بالانتخابات، هل الغلبة والفوز في
الانتخابات لأصحاب المشاريع النهضوية في البلد أو أصحاب
القدرة على تمويل الحملات
الانتخابية؟!
هل
لديك تصور كيف يجب أن يكون نظام الحكم وتداول السلطة
إن صح التعبير؟
{
ليس لدي تصور، أنا لست بصاحب اختصاص في هذا الأمر ولم
آخذ قسطاً كافياً من القراءة
في هذا الأمر حتى أجيب، ولا أراني أحترم الكلام الذي
قلته سابقاً إذا اقتحمت شيئاً
لم أتخصص فيه، آن لعليّ أن يقول لا أعلم.
ما
علاقة الدين بالسياسة؟ أين يتفقان وأين
يفترقان؟
{
للدين
علاقة بكل شيء - سياسية واقتصاد واجتماع - يتفق معه في
إطار الارتقاء
بالإنسان في
أدائه لمهمته على هذه الأرض التي استخلفه الله تعالى
عليها، وتحققه بعبوديته لله
وعبادته له؛ ويختلف معه عندما يبدأ أي اتجاه، سياسة أو
اقتصاد أو اجتماع، في محاولة
استغلال الدين لمشروع من المشاريع التي يتبناها.
أين تتفق وتختلف مع توجه والدك الأستاذ عبد
الرحمن الجفري ودوره كرئيس لأحد الأحزاب السياسية
اليمنية؟
{
سيدي الوالد حفظه الله تعالى
أتفق معه في المبادئ والأخلاقيات التي عاشها ولا يزال
يعيشها ويدفع ثمن أنه ملتزم
بها ويعيشها والتي أثرت فيّ منذ الصغر قبل أن ألقى
أشياخي من العلماء الأكابر،
واتفق معه في همه الذي يحمله بصدق تجاه بلده وتجاه
الأمة، وأختلف معه من حيث أداء
الدور بأنني لا أؤمن بأن لي دوراً في الميدان السياسي،
لا انتقاصاً من الميدان
السياسي لكنه ليس مجالي.
من
باب التخصص وليس من باب الإنكار؟
{
من باب التخصص وليس من باب
الإنكار عليه، وقد يختلف معي البعض في أني أنكر على
صاحب الاختصاص العلمي الشرعي أن
يتحول من ناصح أو مرشد أو موجه للعمل السياسي إلى منافس
في العمل السياسي، لأن
العالم عندما يتحول إلى منافس في حلبة العمل السياسي
يتحول معه الدين والعلم إلى
منافس، فبدلاً من أن يستفيد كل طرف من الأطراف السياسية
من توجيه الدين ليرتقوا
بالسياسة يتحول الدين إلى منافس في حلبة الصراع
السياسي، فيتحول من لم يكن عدواً
للدين بالأمس إلى محارب للدين، لأن منافسه اليوم ينافسه
باسم الدين وهذا رأيناه
جلياً في ساحاتنا.
البعض
يعتقد أن هذا هروب؟
{
أحترم اعتقاده وأختلف معه فيه، فله الحق في
أن يعتقد ذلك ما دام هذا رأيه، وكنا نتكلم عن التنوع،
وأنا أحترم رأيه، لكني لا
أظنه هروباً.
هو
خيار مبني على رؤية.
{
هو كذلك، أثبت الواقع أن دخول عدد من العلماء
في ميدان التنافس السياسي حط من قيمة الخطاب الإسلامي
في مجتمعنا، وصل الخطيب إلى
حدّ أنه إذا صعد المنبر وتكلم قالوا هذا من أجل حزبه،
فأصبح الدين جزءاً من حزب بعد
أن كان الدين سقفاً ومظلة وهداية وتوجيهاً لكل شيء.
"المصدر""المصدر"
الحبيب الجفري في حوار فكري شامل:(1)
إدارة موقع المجهر
للتواصل
sufia@almijhar.org
|